• مرصد البرلمان الاردني
  • مركز القدس للدراسات السياسية
  • شبكة الاصلاح
التشريعات وسياسات المؤسسات الإعلامية غيبت التحقيقات الإستقصائية
التاريخ : 23/02/2012 | المصدر : مرصد الإعلام الأردني

في ظل تسيد وسائل الاعلام المرئية لواجهة المشهد الاعلامي بحيث اصبحت المصدر الرئيسي للاخبار عن مختلف الاحداث  ، ودخول وسائط اتصال جديدة ساعد على وجودها الانترنيت وسرعة انتشاره بين مختلف الاوساط والفئات في المجتمع ، بات الاعلام التقليدي ولاسيما الصحافة المطبوعة امام تحدي الإستمرارية  بتقديم ما هو مختلف ، وهذا الامر تنبهت اليه بعض الصحف في العالم فكان تركيزها على التحقيقات الإستقصائية  المثيرة كمادة يمكن ان تنافس بها وسائل الاتصال الحديثة  .
ولكن الامر بالنسبة للاعلام الاردني مختلف تماما حيث يغيب فن الصحافة الإستقصائية  بشكل واضح عن مختلف وسائل الاعلام المطبوعة والمرئية  ، على الرغم من ان وسائل الاعلام الاردنية لاسيما الصحف باتت تواجه ذات التحدي  وبشكل اكبر في تقديم ما هو مختلف للحفاظ على القراء والمتابعين من جهة وضمان قدرتها على البقاء في السوق من جهة اخرى بالنظر لتراجع الموارد المالية لمختلف وسائل الاعلام خاصة الصحف  .

ويعترف مختصون بغياب التحقيق الإستقصائي من مضامين وسائل الاعلام الاردنية بمفهومه العلمي الدقيق المتعارف عليه في ادبيات مهنة الصحافة  ويرجعون ذلك لعدة اسباب يقول  داود كتاب رئيس مجلس ادارة مؤسسة "إعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية "لا يجادل اثنان ان من ابرز الفنون الصحافية الغائبة عن الاعلام الاردني التحقيق الاستقصائي ولذلك اسباب عديدة تتلخص في القيود التشريعية الناظمة لعمل الاعلام في الاردن خاصة فيما يتعلق بقانون حق الحصول على المعلومات  إضافة الى عدم توفير وسائل الاعلام للبيئة المناسبة للصحافي لديها لتنفيذ هذا النوع من الفنون الصحافية وغياب الصحفي المتدرب بسبب اهمال مؤسسات الاعلام تدريب العاملين لديها . ويضيف كتاب ان التحقيق الاستقصائي أداة رقابية أساسية في المجتمعات الحرة ومفتاح رئيسي لضمان الشفافية  لترسيخ مبدأ المحاسبة وتعدد الآراء ووجهات النظر بالاستناد إلى حقائق موثقة
 ويرجع رئيس وحدة التحقيقات الاستقصائية في صحيفة الغد اليومية ماجد توبة اسباب غياب التحقيق الاستقصائي عن وسائل الاعلام الى العقلية التقليدية التي تتحكم بالقائمين على هذه الوسائل وخاصة الصحف ونتيجة لهذه العقلية  حسب توبة اصبحت الصحف تعتمد بالدرجة الاولى على الاخبار والتقارير السريعة لتغطية صفحاتها باقل تكاليف ممكنة .
لا يختلف الامر بالنسبة للإعلام المرئي ، فالمعيقات موجودة وان اختلفت طبيعتها بسبب اختلاف طبيعة الإعلام المرئي عن نظيره المطبوع بحسب  المستشارة في قناة رؤيا الفضائية هالة زريقات التي تشير الى ان غياب السياسات لدى القيادات في المؤسسات الاعلامية وعدم الرغبة في تقديم ما هو مختلف احد اهم اسباب غياب التحقيقلات الاستقصائية عن وسائل الاعلام الاردنية إضافة الى غياب الكادر المهني المؤهل مشيرة الى ان العديد من وسائل الاعلام لا تولي جانب التدريب لمنتسبيها اهمية كبيرة وتركز في عملها على التقارير السريعة التي لا تحتاج لجهد ووقت .

مفهوم التحقيق الاستقصائي : 
 الصحافة الاستقصائية هي الصحافة القائمة على توثيق المعلومات والحقائق باتباع أسلوب منهجي وموضوعي بهدف كشف المستور وإحداث تغيير للمنفعة العامة. وتعرف المنظمة الأميركية للصحافة الاستقصائية هذا النوع من الإعلام بأنه تغطية إخبارية في العمق تكشف شيئا ما يريد أحد ما أن يبقيه سرا أو تؤشر لإخفاقات منهجية وسياسات غير صائبة نتيجة لجهد شخصي بذله صحافي أو صحافية.
فالصحافة الاستقصائية تكشف التجاوزات والممارسات الخاطئة وتفعل مبدأ المحاسبة والمساءلة بما يؤدي مبدئيا إلى تصويب الأوضاع.
وتختلف منهجية الصحافة الاستقصائية  عن منهجية الفنون الصحافية الاخرى فالصحافي الاستقصائي يهدف إلى سرد القصة كما هي وليس كما يرويها الناس ويتوقع المتلقي أن تحتوي على أكبر قدر من الدقة والموضوعية والعمق من مضامين العمل الصحافي  اليومي بأنواعه.
 ويمكن القول ان الصحافة الاستقصائية بمجملها تتعامل مع أدلة خاصة ومصادر غير معلنة وتسريبات وحقائق غير كاملة مهمة الصحافي المتقصي ان يبحث عنها  .

معيقات تشريعية ومادية :
من وجهة نظر المختصين ينبغي ان تتوفر للصحافي المتقصي بيئة سياسية وفكرية واحترافية للعمل الإعلامي الأستقصائي يقول كتاب ليتمكن الصحافي الإستقصائي من القيام بعمله فإن ذلك يستلزم توفر مناخ سياسي ديمقراطي من خلال التشريعات . ويعتبر كتاب قانون حق الحصول على المعلومات الصادر عام 2007 احد ابرز المعيقات التشريعية التي تواجه الصحافي المتقصي ويقول على الرغم من ان الاردن كان سباقا في اقرار تشريع يسمح للصحافيين بالحصول على المعلومات الا ان تجربة هذا القانون كانت مخيبة للامال فالعمل الإعلامي الاستقصائي  يرتبط الى حد كبير ويزدهر طرديا مع حق الحصول على المعلومات.
ويلقي كتاب الكرة في ملعب القائمين على المؤسسات الإعلامية لجهة غياب فن الصحافة الإستقصائية عن الاعلام الاردني ويقول ان وسائل الإعلام المختلفة لا توفر البيئة المهنية المناسبة لصحفييها لتنفيذ التحقيقات الاستقصائية . ويشرح ذلك بالقول ان تنفيذ التحقيق الاستقصائي يتطلب توفير الوقت الكافي للقائم عليه . فمثل هذا النوع من العمل الصحافي لا يتطلب فقط الصبر والعمل المتواصل من الصحافي بل ايضاً تعاون الجميع  بما فيه منح الوقت الكافي للصحافي وتوفير الامكانيات المادية التي تساعده على تنفيذ التحقيق الاستقصائي .
الاحترافية التي يتميز بها الصحافي عامل مهم في نجاحه بتنفيذ فكرة تحقيق استقصائي ومن وجهة نظر كتاب فإن الصحافيون المحترفون في الاعلام الاردني قلة وذلك نتيجة طبيعية لعدم اهتمامهم بتطوير قدراتهم ومهاراتهم واهمال المؤسسات الاعلامية لفكرة تدريب العاملين لديها . وياسف كتاب ان النتائج التي حققتها مؤسسة اعلاميون من اجل صحافة استقصائية في الاردن كانت متواضعة مقارنة مع الدول العربية الاخرى نتيجة الاسباب السالفة الذكر .
 يتحدث توبة عن تجربة تاسيس وحدة التحقيقات الاستقصائية في صحيفة الغد فيقول ان الصحيفة ارادت من خلال  تاسيس وحدة التحقيقات الإستقصائية تقديم مادة اعلامية مختلفة للقارىء في ظل تسيد الاعلام المرئي للواجهة و ويعترف توبة انه وبعد سنوات من تاسيس هذه الوحدة فان المعيقات التي واجهتها حدت من نجاحها على الرغم من ان الوحدة وفي بداية عملها انجزت عدة تحقيقات تتماشى تماما مع مفهوم الصحافة الإستقصائية وتركت ردود فعل عميقة في المجتمع .ويشرح توبة الاسباب التي ادت لتراجع عمل الوحدة   فيقول ان الامر يتعلق بعقليات القائمين على الصحف والنهج الاداري والتحرير المعمول به في الصحف الاردنية وهي انجاز اكبر قدر من العمل بشكل سريع وباقل تكاليف ويتابع ان الموضوع المالي اصبح عبئا على كافة ادارات الصحف بالنظر للاوضاع المالية الصعبة التي  تمر بها مختلف الصحف الامر الذي حدد من وضع موازنات  تخصص للانفاق على الاعمال الصحافية المتميزة وخاصة التحقيقات التي يتطلب اعدادها الكثير من الجهد المادي والمعنوي .
الاعلام المرئي  الخاص يحاول اختراق الحواجز
انتبه القائمون على الاعلام المرئي لاسيما في قطاعه الخاص اهمية التميز في تقديم المادة الاخبارية بالنظر للمنافسة الشديدة التي يواجهها هذا النوع الحديث من الاعلام نوعا ما في الاردن مع عشرات المحطات الفضائية الاقليمية . ولم يقتصر تركيز هذه الفضائيات على البرامج الحوارية المثيرة بل تعدتها لاختراق ما يمكن وصفه بالممنوعات من خلال قيام  بعض هذه المحطات بتقديم مجموعة من التحقيقات الاستقصائية التي نال بعضها جوائز دولية  حيث فازت الصحفية التلفزيونية رائدة حمرا بـ "جائزة الصحفي المتقصي 2011 في الإعلام المتلفز  التي تمنحها مؤسسة تومبسون العالمية عن تقرير أنجزته حول التلوث في منطقة الهاشمية  كواحدة من النقاط البيئية الساخنة في الاردن . محكمو الجائزة ركزوا على الأسلوب المباشر للبحث  والتقنيات الذكية في إجراء المقابلات و أسلوب الكتابة المحكم والبناء الابداعي
 تقول حمرا انها امضت ستة أشهر من البحث المعمق لكشف كيفية استغلال مصانع محلية تعود ملكيتها لمتنفذين تحايلوا على شروط الترخيص وتهربوا من استحقاقات خدمة المجتمع المحلي وبالتالي  ساهموا بتعميق إفقار بلدية الهاشمية المديونة. وقد  ورد في التحقيق تورط اسماء كبيره بينهم رؤوساء وزراء سابقين  اضافة الى مصفاة البترول وبعض المصانع الكبرى..
 توضح حمرا ان ابرز المشكلات التي واجهتها اثناء اعداد التحقيق ممطالة المسؤولين وكيفية الحصول على الوثائق التي تؤكد الاتهامات الواردة في التحقيق إضافة الى تخوف بعض المسؤولين في بلدية الهاشمية من تقديم المساعدة خوفا على وظائفهم  وهي تشعر بالاسف لان احدى الموظفات في البلدية قدمت لها المساعدة لانجاز تحقيقها ولكنها فقدت وظيفتها بعد شهرين ،وتضيف انها لم تعتمد  في الوصول الى معلوماتها على قانون حق الحصول على المعلومات لانه قانون غير مفعل من وجهة نظرها بل اعتمدت على علاقاتها ومصادرها الخاصة . وتؤكد حمرا ان تحقيقها ترك اثرا كبيرا لانه كان تحقيقا مصور مشيرة الى تميز ذلك عن التحقيق الاستقصائي في الصحافة المطبوعة .
تؤكد زريقات انه لابد من توافر  مجموعة من العوامل لنجاح انتشار فكرة التحقيقات الاستقصائية كاحد ابرز واهم الفنون الصحافية وتوضح ان الكرة اولا في ملعب ادارات المؤسسات الاعلامية التي ينبغي ان تنتهج سياسة تقوم على تقديم ماهو متميز للمواطن وبالتالي يكون لديها سياسات قائمة على توفير كادر مهني عالي المهارة والتدريب واستعداد الادارة للانفاق على هذا الكادر لضمان تحقيق نتائج ايجابية في هذا المجال .
 وتؤكد زريقات ان عامل التدريب للصحافي امر مهم لانه ومن خلال رفع كفأة الصحافيين يمكنهم ان يقدموا عملا مميز يترك اثرأ.
 
الصحافي المتقصي ومهارات من نوع مختلف :
المهنية العالية والجراة والنفس الطويل والمعرفة القانونية ابرز المهارات التي ينبغي أن يتمتع بها الصحافي الإستقصائي . مجدولين علان مديرة وحدة التحقيقات الإستقصائية في  موقع عمان نت الالكتروني، تعمل في حقل الصحافة منذ عام 2006 ، حصلت على المرتبه الأولى عن الصحافة المكتوبه في جائزة أريج للصحافة الإستقصائية للعام 2009 والمرتبه الرابعة في جائزة سيمور هيرش للصحافة الإستقصائية لعام2010. تقول علان لابد للصحافي المتقصي ان يمتلك مهارات استثنائية مختلفة تماما عن تلك التي يمتلكها الصحافي التقليدي ، وحسب علان فإن ابرز هذه الميزات الحس الصحافي العالي الذي يمكن الصحافي من تحديد القضية او الظاهرة التي سيطرحها في تحقيقه معتبرة ان هذا الامر مهم للغاية بالنظر للهدف الذي يريد الصحافي ان يحققه من وراء التحقيق الذي يقوم بإجرائه .
 وتضيف علان ان القدرة على التحليل والبحث بعمق امران مهمان لابد ان يتمتع بهما الصحافي المتقصي إضافة الى الصير وطول النفس خاصة فيما يتعلق بالبحث عن المصادر والوثائق .
 وتشير علان الى اهمية ان يتمتع الصحافي بحس قانوني عالي يمكنه من معرفة حقوقه متى تجاوز الخطوط الحمراء وفي نفس الوقت ان يتحلى بقدر عال من المسؤولية والمصداقية في كل المعلومات التي يتعامل معها في التحقيق خاصة فيما يتعلق بالوثائق التي يمكن ان يحصل عليها .
 وترى علان ان غياب المعلومات من ابرز العوائق التي تقف في وجه الصحافي المتقصي مشيرة الى ان قانون حق الحصول على المعلومات لم يحل هذه الإشكالية البالغة الاهمية ليس فقط بالنسبة للصحافي المتقصي بل لكافة العاملين في حقل الاعلام .
 علان كانت قد فازت بجائزة دولية عن تحقيق اعدته حول قانون حق الحصول على المعلومات تقول  أنها بدأت بكتابة التحقيق انطلاقا من معاناتها في عملها الصحافي في الحصول على المعلومة مما دفعها إلى تناول الموضوع بتحيقي متعمق وإبراز الجوانب التطبيقية للقانون.
وحملت  علان المؤسسات الحكومية عدم الجدية بالتعامل مع القانون، وعدم وجود بنية تحتية تساعد على تفعيله مثل نماذج المعلومات وآلية تصنيفها ما بين سرية وغير سرية كما أن المؤسسات الإعلامية بحسب علان لم تعمل على تفعيل قانون الحصول على المعلومة لدى العاملين والصحافيين.
وتنتقد علان المسؤولين في مؤسسات الاعلام المختلفة كونهم لا يؤمنون باهمية التحقيق الاستقصائي كفن رئيسي ومهم من فنون الاعلام المختلفة . كما تنتقد غياب مظلة قانونية تحمي الصحافيين  المتقصين مشيرة الى شعور الصحافي المتقصي الدائم بعدم الامان بسبب المهمة التي يقوم بها في كشف ما هو مستور .
 

تعليقات القراء
لا يوحد تعليقات , كن اول المعلقين على هذة الصفحة
أضف تعليقك
الاسم
الإيميل *
الموضوع *
التعليق *

ادخل الرمز الذي في الصورة